عبد العزيز عيد
02-27-2008, 07:44 AM
الرحمة للعالمين
قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (1) وردت كلمة العالمين في كتاب الله تعالى حوالي 60 مرة وهي غالبا ما تأتي بمعنيين : الأول : جميع العوالم والمخلوقات كعالم الأنس وعالم الجن وعالم الملائكة وعالم الحيوان والنبات والجماد وهكذا وذلك عند نسبتها إلى الله تعالى كقوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(2)وقوله (وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)(3)
وتأتي أحيانا على سبيل التخصيص كقوله (يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (4) وقوله عن بني إسرائيل ( وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (5) ، قال القرطبي أي على عالم زمانكم : ويقصد الأنس ، وأما عن قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) فيقصد به النوع الثاني أي عالمي الأنس والجن بوصفهما المبعوث إليهما صلى الله عليه وسلم . وكونه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين فهو رحمة ببعثته وبمنهجه الذي جاء به ، وهو رحمة للعالمين أيضا في ذاته وشخصه وذلك بوصفه الأجدر والأصلح على إيصال هذا المنهج لهذين العالمين , وبما أتاه الله من مواصفات الرحمة والشفقة والرأفة والتي تمثلت خير تمثيل في سنته بأقواله وأفعاله وحركاته وسكاناته وفي أُسوته وتشريعاته ، لذا وصفه الله بقوله : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (6) وقال ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) (7) ، قال أبو بكر بن طاهر " زين الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة فكان كونه رحمة وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق ، فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه والواصل فيهما إلى كل محبوب فكانت حياته رحمة ومماته رحمة ، كما قال عليه الصلاة السلام حياتي خير لكم و موتي خير لكم"(8) وكما قال عليه الصلاة و السلام أيضا " إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطاً وسلفاً "(9) (10) ويقول بن عباس " من آمن بالله واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة ومن لم يؤمن عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف ، وفي رواية له رضي الله عنه " من تبعه كان له رحمة في الدنيا والآخرة ومن لم يتبعه عوقب مما كان يبتلى به سائر الأمم من الخسف والمسخ والقذف " ، وقال بن القيم رحم الله به أهل الأرض كلهم مؤمنهم وكافرهم . أما المؤمنون فنالوا النصيب الأوفر من الرحمة .وأما الكافرون فأهل الكتاب منهم عاش في ظله وبعهده وأما من قتله منهم هو وأمته فأنه عجل بهم إلى النار وأراحوهم من الحياة الطويلة التي لا يزداد بها إلا مزيد من العذاب في الآخرة (11).
وبذات المعنى قال في جلاء الأفهام إنها – رحمة للعالمين – على قولين . الأول : أن عموم العالمين جعل لهم النفع برسالته أما أتباعه فنالوا به كرامة الدنيا والآخرة .
--------------------------------
(1) التوبة:100 (2) الفاتحة:2
(3) البقرة: من الآية251 (4) آل عمران:من42
(5) البقرة: من الآية47 (6) آل عمران:159
(7) الفتح: من الآية29 (8) قال به الهيثمي في مجمع الزوائد جزء 9 تحت عنوان باب ما يحصل لأمته صلى الله عليه وسلم من استغفاره بعد وفاته وتمامه " عن عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حياتي خير لكم تحدثون وتحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت الله لكم " وعقب الهيثمي رواه البزار ورجاله رجال الصحيح
(9) صحيح مسلم 2288
(10) عيون الأثر لمحمد بن محمد بن محمد بن عبد الوهاب
(11) زاد الميعاد الجزء الأول
وأما أعداؤه فالمحاربون له عجل بقتلهم وموتهم خيرا لهم من حياتهم , لأن حياتهم زيادة لهم في العذاب عليهم في الآخرة وهم قد كتب عليهم الشقاء فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر ، وأما المعاهدون فقد عاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته وهم أقل شرا بذلك العهد من المحاربين ، وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان بهم حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم وجريان أحكام المسلمين عليهم ، وأما الأمم الأخرى فأن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض .. فأصاب كل العالمين النفع برسالته . (1)
الثاني : أنه رحمة للكل : أما المؤمنون فقبلوها فانتفعوا بها في الدنيا والآخرة والكفار ردوها فلم يخرج بذلك من كونه رحمة لم يقبلوها " ويقول بن تيميه في مجموعة الفتاوي " كان الواحد من الأمم السابقة إذا أصاب بعض الذنوب يحتاج مع التوبة إلى عقوبات شديدة كقوله تعالى
(فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم)(2)(3) وروى عن أبي العالية أن أحدهم كان إذا أصاب ذنبا أصبح مكتوبا على بابه الخطيئة والكفارة ، بينما أنزل الله على هذه الأمة
(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)(4)
وقال أيضا " تصل الرحمة إلى كل واحد كل حسب الإمكان وبحسبه حتى المكذبين هو في حقهم رحمة أعظم مما كان لغيره " , وقال رحمة للناس بلا عوض وبالصبر على آذاهم ، كما قال " والعالمين يدخل فيهم العرب وغير العرب من الفرس والروم و الهند والبربر . فلو قال قائل إن محمد لم يرسل إلى هؤلاء لأن الله لم يذكرهم في القرآن صار جاهلا كما لو قال إن الله لم يرسله إلى بني تميم وبني غطفان وبني أسد لأن الله لم يذكر هذه القبائل بأسمائها ."(5)
وبهذه القيم والمعاني الجليلة كان صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين . كما كان رحمة بتعاليمه وسنته . فعن عمرو بن عبسة أن شيخا كبيرا أتى النبي وهو يدعُم على عصا فقال يا رسول الله أن لي غدارات وفجرات فهل يغفرها الله لي فقال النبي " ألست تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ؟ قال بلى فقال له إن الله قد غفر لك غدراتك وفجراتك فانطلق الرجل وهو يكبر " (6) وأمثال هذه الأحاديث كثيرة ، وقال " في كل ذي كبد رطب رحمة " (7) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقحمون فيها "(8) وعن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن مثل ما بعثني الله عز وجل من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به (9)
----------------------------------
(1) جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام (2) البقرة: من الآية 54
(3) مجموعة الفتاوي الجزء 155 (4) آل عمران:135
(5) مجموعة الفتاوي الجزء 15(6) مسند أحمد 19451
(7) مسند أبي عوانة الأسفرائيني 5342 وبألفاظ متقاربة في سنن البيهقي وغيره
(8) صحيح البخاري 6118 (9) صحيح مسلم 2282 باب ما بعث به رسول الله من الهدي والعلم
قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (1) وردت كلمة العالمين في كتاب الله تعالى حوالي 60 مرة وهي غالبا ما تأتي بمعنيين : الأول : جميع العوالم والمخلوقات كعالم الأنس وعالم الجن وعالم الملائكة وعالم الحيوان والنبات والجماد وهكذا وذلك عند نسبتها إلى الله تعالى كقوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(2)وقوله (وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)(3)
وتأتي أحيانا على سبيل التخصيص كقوله (يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (4) وقوله عن بني إسرائيل ( وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (5) ، قال القرطبي أي على عالم زمانكم : ويقصد الأنس ، وأما عن قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) فيقصد به النوع الثاني أي عالمي الأنس والجن بوصفهما المبعوث إليهما صلى الله عليه وسلم . وكونه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين فهو رحمة ببعثته وبمنهجه الذي جاء به ، وهو رحمة للعالمين أيضا في ذاته وشخصه وذلك بوصفه الأجدر والأصلح على إيصال هذا المنهج لهذين العالمين , وبما أتاه الله من مواصفات الرحمة والشفقة والرأفة والتي تمثلت خير تمثيل في سنته بأقواله وأفعاله وحركاته وسكاناته وفي أُسوته وتشريعاته ، لذا وصفه الله بقوله : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (6) وقال ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) (7) ، قال أبو بكر بن طاهر " زين الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة فكان كونه رحمة وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق ، فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه والواصل فيهما إلى كل محبوب فكانت حياته رحمة ومماته رحمة ، كما قال عليه الصلاة السلام حياتي خير لكم و موتي خير لكم"(8) وكما قال عليه الصلاة و السلام أيضا " إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطاً وسلفاً "(9) (10) ويقول بن عباس " من آمن بالله واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة ومن لم يؤمن عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف ، وفي رواية له رضي الله عنه " من تبعه كان له رحمة في الدنيا والآخرة ومن لم يتبعه عوقب مما كان يبتلى به سائر الأمم من الخسف والمسخ والقذف " ، وقال بن القيم رحم الله به أهل الأرض كلهم مؤمنهم وكافرهم . أما المؤمنون فنالوا النصيب الأوفر من الرحمة .وأما الكافرون فأهل الكتاب منهم عاش في ظله وبعهده وأما من قتله منهم هو وأمته فأنه عجل بهم إلى النار وأراحوهم من الحياة الطويلة التي لا يزداد بها إلا مزيد من العذاب في الآخرة (11).
وبذات المعنى قال في جلاء الأفهام إنها – رحمة للعالمين – على قولين . الأول : أن عموم العالمين جعل لهم النفع برسالته أما أتباعه فنالوا به كرامة الدنيا والآخرة .
--------------------------------
(1) التوبة:100 (2) الفاتحة:2
(3) البقرة: من الآية251 (4) آل عمران:من42
(5) البقرة: من الآية47 (6) آل عمران:159
(7) الفتح: من الآية29 (8) قال به الهيثمي في مجمع الزوائد جزء 9 تحت عنوان باب ما يحصل لأمته صلى الله عليه وسلم من استغفاره بعد وفاته وتمامه " عن عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حياتي خير لكم تحدثون وتحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت الله لكم " وعقب الهيثمي رواه البزار ورجاله رجال الصحيح
(9) صحيح مسلم 2288
(10) عيون الأثر لمحمد بن محمد بن محمد بن عبد الوهاب
(11) زاد الميعاد الجزء الأول
وأما أعداؤه فالمحاربون له عجل بقتلهم وموتهم خيرا لهم من حياتهم , لأن حياتهم زيادة لهم في العذاب عليهم في الآخرة وهم قد كتب عليهم الشقاء فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر ، وأما المعاهدون فقد عاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته وهم أقل شرا بذلك العهد من المحاربين ، وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان بهم حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم وجريان أحكام المسلمين عليهم ، وأما الأمم الأخرى فأن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض .. فأصاب كل العالمين النفع برسالته . (1)
الثاني : أنه رحمة للكل : أما المؤمنون فقبلوها فانتفعوا بها في الدنيا والآخرة والكفار ردوها فلم يخرج بذلك من كونه رحمة لم يقبلوها " ويقول بن تيميه في مجموعة الفتاوي " كان الواحد من الأمم السابقة إذا أصاب بعض الذنوب يحتاج مع التوبة إلى عقوبات شديدة كقوله تعالى
(فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم)(2)(3) وروى عن أبي العالية أن أحدهم كان إذا أصاب ذنبا أصبح مكتوبا على بابه الخطيئة والكفارة ، بينما أنزل الله على هذه الأمة
(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)(4)
وقال أيضا " تصل الرحمة إلى كل واحد كل حسب الإمكان وبحسبه حتى المكذبين هو في حقهم رحمة أعظم مما كان لغيره " , وقال رحمة للناس بلا عوض وبالصبر على آذاهم ، كما قال " والعالمين يدخل فيهم العرب وغير العرب من الفرس والروم و الهند والبربر . فلو قال قائل إن محمد لم يرسل إلى هؤلاء لأن الله لم يذكرهم في القرآن صار جاهلا كما لو قال إن الله لم يرسله إلى بني تميم وبني غطفان وبني أسد لأن الله لم يذكر هذه القبائل بأسمائها ."(5)
وبهذه القيم والمعاني الجليلة كان صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين . كما كان رحمة بتعاليمه وسنته . فعن عمرو بن عبسة أن شيخا كبيرا أتى النبي وهو يدعُم على عصا فقال يا رسول الله أن لي غدارات وفجرات فهل يغفرها الله لي فقال النبي " ألست تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ؟ قال بلى فقال له إن الله قد غفر لك غدراتك وفجراتك فانطلق الرجل وهو يكبر " (6) وأمثال هذه الأحاديث كثيرة ، وقال " في كل ذي كبد رطب رحمة " (7) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقحمون فيها "(8) وعن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن مثل ما بعثني الله عز وجل من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به (9)
----------------------------------
(1) جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام (2) البقرة: من الآية 54
(3) مجموعة الفتاوي الجزء 155 (4) آل عمران:135
(5) مجموعة الفتاوي الجزء 15(6) مسند أحمد 19451
(7) مسند أبي عوانة الأسفرائيني 5342 وبألفاظ متقاربة في سنن البيهقي وغيره
(8) صحيح البخاري 6118 (9) صحيح مسلم 2282 باب ما بعث به رسول الله من الهدي والعلم