حسن أبو الياس
07-08-2010, 11:35 PM
وغير بعيد كانت معلمتهما تقف مع زميلاتها يتحدثن عن تلك الجمل الصغيرة الكبيرة. فلما رأتهما اعتزلا جموع الأطفال نادت عليهما فلبيا النداء مسرعين.
قالت؛ والمعلمات يستمعن؛ ((هل تستطيعان إعادة الجمل التي ركبتما في القسم؟))
قالا:(( نعـــــــــــــــــــم.)) فلما سمعن ما عبرا عنه أكبرنهما وقلن عجبا..فأشارت معلمتهما؛ أن انصرفا..
وقالت إحداهن:(( إني أراني أتنبأ لهذين الصغيرين بمستقبل فريد زاهر، وإنهما سيبدعان في مجالات عدة.))
وقالت الأخرى:(( لو كان لهذين من العناية والاهتمام ما لا يتوفر في مدرستنا هذه؛ لنبغا نبوغا لاحصر له..
لكن؛ وللأسف الشديد، تضيع مثل هذه الثروة، ولا يلتفت لإنقاذها أحد.))
ولما رجع سي محمد إلى البيت نزل إلى الحديقة وأخذ ينظف التربة من حول شجيرات النخيل المغروسة وسط الدار، بينما أخذ إليــــاس- الأخ الأوسط- الفأس وشرع يحفر من حول شجيرات الزيتون. ثم دار بينهما هذا الحوار
قال سي محمد:(( لم أحرق الاحتلال الأمريكي ملايين أشجار النخيل في العراق؟))
قال إليـــاس:((ألم تر كيف فعلت إسرائيل بزيتون فلسطيـــــن المحتلة ؟ ألم تأت بالجارفات واقتلعت أشجارالزيتون
من جذورها.. ))
قال سي محمد:(( بــــلى ولكن ما ذنب النبات؟ أنا لا أفهم كيف يفكر كل هؤلاء.))
قال إلياس:(( ربما لأنها ذكرت في القرآن الكريم.. إقرأ قول الله عز وجل" وهزي إليك بجذع النخلة تساقط علي
رطبا جنيا.." هكذا خاطب الله مريم أم عيسى عليهما السلام.
وأما شجرة الزيتون فقد قال الله عنها " شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية.."
.. ثم جاء أيمن؛ أخوهما الأصغر؛ فأعطياه أنبوب الماء وساعداه على السقي. ثم أذن المؤذن لصلاة المغرب فانطلقوا إلى المسجد، ولما رجعوا تحلقوا للذكر كعادتهم، وافتتح المجلس بتلاوة القرآن..ثم أخذ الوالد الكلمة وحدثهم عن تنظيم مخيم...
قال:(( الجيل الذي قبلكم يتذكر مخيم مــــــــــــــــرج الزهــــــــــور بفلسطين؛ يوم أخرج شيب وشباب من ديارهم؛أبعدهم العدو الصهيوني، لأنهم أعلنوا الجهاد على كل دخيل يمكر بالمسلمين.. لأنهم كرهوا أن يدنس المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله؛ لأنهم من حمـــــــــــــــــــا س..
وآخرون من أبناء الوطـــــــــــــــن عانوا ولا يزالون في مخيمات العداء والشقاق وسوء الجوار
ينتظرون الخلاص والعودة إلى الديار.
ولتعلموا أنهم بمعزل عن العناية الطبية والنفسية والاجتماعية، وأنهم يصنعون خبزهم بأيديهم ؛
وأن الصغار كبار قبل الأوان..))
وقال أيضا:(( سنحتاج إلى خيام وأغطية ومؤن..)) واستمر يحصي كل المتطلبات وأبناؤه ينظرون إليه وكلهم شوق لمعرفة ما يخبئه الغد، وماذا ستكون مواد البرنامج...
.. وجاءوا " بين الويدان"بكرة على مثن سيارة أجرة ،ثم نزلوا جنب البحيرة الزرقاء وأقاموا الخيام. وقبل أن تشرق الشمس بسطوا حصيرا وتحلقوا لتوزيع المهام.
قال إسلام : (( أنا سأجمع الحطب .))
وقال إليــاس: ((وأنا سآتيكم بالماء من الوادي .))
قال الوالد: (( أنا وسي محمد سنبني الفرن بالطين والحجارة..))
وقالت الأم: (( وأنا وأيمــــــــــن سنعد الطعام..))
هرع كل واحد إلى أداء مهمته بنشاط، ولم تمض إلا دقائق معدودة حتى جهز كل شيء بدقة ونظام رفيعين..
أعدت الأم عجينة الخبز، وأوقد الوالد النار للحصول على الجمر، بينما ذهب الأولاد لاستكشاف المكان..
قال الوالد: ((لا تبتعدوا كثيرا عن الموقع..)) ثم جلس يعد برنامج المخيم وأخذت الأم تهيئ الطعام . بعدها سمع صوت الصفارة فاجتمعوا من حوله وقرأ عليهم البرنامج.
قال: (( سيحفظ كل واحد منا سورة من السور القصار من الحزبين؛58و59 من المصحف الكريم؛ ابتداء من
الساعة العاشرة، ثم الدرس الأول من الحادية عشرة إلى الساعة الحادية عشرة والنصف.. ثم
استراحة لصيد السمك حتى آذان الظهر.
سيتكلف سي محمد بالأذان وإلياس بالإقامة وسيصلي بنا إسلام. وبعد الصلاة مباشرة ستلقي أمكم
موعظة، ثم نتناول طعام الغذاء، وبعدها نشترك جميعا في النظافة.
وبعد الزوال نكمل الحفظ و نستظهر..
الثانية بعد الزوال وقت حر حتى آذان العصر، وبعد الصلاة مباراة في كرة القدم المصغرة..
ثم نجدد الوضوء ونستقل القبلة للذكر إلى غروب الشمس..
وبعد صلاة المغرب؛ نستمع للدرس الثاني حول نار موقدة.. ثم نقرأ الحزب،ونتناول طعام العشاء،
ونؤخر صلاة العشاء قليلا...))
.. وبالليل زاد الوالد الحطب على النار ومكث في الحراسة إلى بزوغ الفجر. توضأ وقام الليل، ثم أيقظ أهله؛ وأذن سي محمد: الصلاة خير من النوم؛ الصلاة خير من النوم..بعدها تحلقوا للذكر وقصوا الرؤى التي رأوها تلك الليلة واستأنسوا بها. ثم قرأ سي محمد موعظته التي كلف بها من كتاب الإحياء للإمام الغزالي رحمة الله عليه..
ثم استقبلوا القبلة يسبحون الله حتى طلعت الشمس من مشرقها ، فقاموا وصلوا ركعتين...
وفي تمام السابعة انطلقوا للرياضة وسط أشجار البلوط والعرعار، ثم لعبوا مباراة في كرة القدم ، ثم نزلوا إلى الوادي فشربوا منه وتطهروا، ثم اجتمعوا لتناول الفطور.
بعد ذلك انتشروا بين أشجار الغابة يتلون كتاب الله ؛ كل من زاويته يرتله ترتيلا؛ حتى إذا بلغت الشمس مبلغ الضحى رأيتهم في ظلال ممدودة بين الجرف العالي والوادي يركعون ويسجدون ابتغاء رضوان الله..
ثم جاءوا أباهم واستمعوا للدرس الثالث وناقشوه نقاشا جادا ..ثم أذن لهم فانطلقوا للصيد.
.. وجاءت سيارة فحملتهم إلى الديار.وفي صباح اليوم التالي تحدث سي محمد إلى بعض أصدقائه ودعاهم لحضور مجلس في بيته؛ بعد إذن أبيه وأمه.. وكذلك فعل إسلام وإليـــــــاس.
وحضر الأصدقاء وأخبروا بفكرة تنظيم مخيم لمدة يومين في مطلع العطلة القادمة.
ناقشوا أهداف المخيم واختاروا الموقع ووضعوا برنامجا ووزعوا المهام.. تراجع البعض ؛ واعتذر من اعتذر ، وقبل آخرون تحمسوا للخروج وتعهدوا أن يعدوا له عدة.
قال سي محمد : (( أريد أن ألفت انتباه أصدقائنا الأطفال بأن يكتموا هذا الأمر إلا على الوالدين؛ وأخذ الإذن منهما للمشاركة بحرية.))
وقال إسلام: (( موعدنا بعد ثلاثة أيام عند رأس الجبل بعد صلاة العصر لننظر من سيشارك ومن سيتخلف..))
وفي اليوم المعلوم تجمع اثنا عشر فتى ؛ بينهم ثلاثة أطفال، فتباحثوا تنظيم الخرجة ولوازمها، وقرروا أن ينطلقوا بعد صلاة الفجر بساعة على مثن سيارتي أجرة.
.. نزلوا عند الطريق المؤدية إلى الوادي؛ بمكان يسمونه" تلوازين" أي شجيرات اللوز، وحملوا أمتعتهم على ظهورهم فرحين بما يرون من مناظر طبيعية تعشقها العيون وتسعد بها الأنفس .. فلما بلغوا الوادي نصبوا الخيام ووزعوا المهام وأعدوا الطعام، ثم جلسوا يستمتعون به على نغمات خرير المياه العذبة المتدفقة ولحن طيور الغابة المحيطة...
وفجأة سمع صفير صفارة المخيم فانتبه الجميع وتفرقوا. منهم من أسرع إلى الوادي واشتغل بالوضوء،ومنهم من أخذ يجمع الأواني ويغسلها، وآخرون أزالوا الحجارة ونكسوا الأرض ونظفوا موضع الصلاة..ثم جاء الأطفال الثلاثة يحملون الحصائر على أكتافهم،ونشروها قبل المشرق.
وفي لمح البصر لبس كل فتى قميصه الأبيض ووضع السجادة على كتفه وأخذ المصحف بيده واقترب من المجلس. فلما حضر الجميع قال قائل منهم:
((بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله؛ في الصحاح عن خولة بنت حكيم- رضي الله
عنها- قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من نزل منزلا ثم قال أعوذ
بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك"
فقولوا مثل ذلك ثم صلوا الضحى .. ))
وفي زاوية أخرى من المخيم كان فتيان في الخدمة، أحدهما يراقب الخبز في الفرن ؛ ويصنع الثاني طعام الغذاء.
ولما قضيت الصلاة انتشروا بين الأشجار ؛ واختار كل واحد منهم موضعا للحفظ؛ مستقبلا القبلة لا يلهيه شيء..
وسمع لهم دوي كأزيز النحل تعالى وسط أحضان الطبيعة بواديها؛ والصدى يردده الجرف الشامخ من فوق الغابة
لم تعيه تعرية السنين..
وبعد مضي أزيد من ساعة سمع صفير الصفارة من جديد ، فاجتمع الفتية يقدمهم الأطفال ، وجلسوا على الحصير الممدود مثنى يستظهرون الربع الأول من الحزب الثامن والخمسين من المصحف الكريم. فلما قضي
تربعوا في حلقة علم وحلم ينتظرون انطلاقة الدرس الأول من برنامج المخيم. وجاء الفتى الذي كلف بالعرض الأول؛وألقى كلمته..كان الموضوع كبيرا لاستنهاض الهمم وتحريض عقول الشباب على حسن السلوك والعمل.
كان حديثا عن حقيقة الانتماء لدين الله عز وجل.. عن أهمية الفعل قبل القول؛ وبناء مشروع التعاون على البر والتقوى...
قال أحد الصغار في السن يومها: (( ألم تروا كيف فعل الناس بجنب الطرقات ووسط الأزقة وعلى طول الطريق المحاذية للساقية..؟ رموا أزبالهم التي تعفنت بعيدا عن مساكنهم ، وسط المحيط وكـأنه ليس محيطهم ، وكأن القرية التي يعيشون فيها ؛ أرض خلاء لا تهمهم.. أنا أتساءل؛ ماذا ينتظر الناس؟؟ ))
رفع أحد الفتية يده؛ وقال: (( اقرأ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم" الناس كإبل مائة لا تكاد تجد راحلة.. ))
وقال الآخر: (( لقد التقطت العديد من الصور لكل البقع السوداء المنتشرة داخل القرية، وأدخلتها إلى الحاسوب
لنشرها عبر الانترنيت في مواقع الجهات المعنية . ))
وقال فتى آخر: (( أنا أفكر في الوسائل الفعالة لتصحيح العديد من السلوكيات المنحرفة وتصحيح الاعوجاج..
هل تفيد الكتابة المسرحية؟هل تكفي الندوات والمحاضرات؟أم أنه لابد من تطوير وسائل الاتصال مع الناس بأدوات العصر؛ وبناء الثقة..؟))
سكت الشباب ونطق سي محمد؛ (( كثير من الأطفال في قريتنا لا يقدرون الشجرة؛ وكثيرا ما رأيناهم يعتدون على الثمار قبل نضجها، يتسلقون الأغصان كالماعز؛ ويقطعون بلا تردد و لا حياء..
يكررون هذه الأفعال وأقبح منها في كل موسم...))
رد عليه أحد الفتية؛ (( لقد كنا قبل أيام نناقش مع والدك الأستاذ حسن؛ بدار الشباب ؛ إمكانية بدأ التداريب المسرحية حول " أصدقاء الشجرة".. فلم لا نتدرب على هذا النص ،ثم نعرضه
عما قريب بمقر الجمعية أو بدار الشباب..؟ ))
...سجل المقرر كل المقترحات وعزم الفتية على تنفيذ برنامج تحسيسي تربوي يستهدف تلاميذ التعليم الأساسي،
يشتمل على المسرح والتشكيل والمناظرة والرياضة..،ويمتد على مدار السنة...
ثم أذن المؤذن لصلاة الظهر فسكت الجميع، فلما قضي ختموا المجلس وقام من قام ليتوضأ بالوادي وقعـد البعض
لإعداد المصلى، وابتعد آخرون بضعة أمتار يناقشون بقية مراحل هذا المخيم.
سلم الإمام فقام الذين هم في الخدمة فجاءوا بالطعام وذكروا بآداب الأكل؛ ثم قطع الخبز؛ وجيء بماء النبع ..
وبضفاف الوادي ؛ بين أشجار الصفصاف والزيتون والرمان المنتشرة على امتداد السفح استلقى بعض الفتية للاستراحة؛ بينما أخذ عمر ألوانه وفرشاته وشرع يزخرف أولى لوحاته في المخيم. . وأما الأطفال فقد اختاروا صيد السمك، وفضل إسلام وإلياس وزكرياء وخالد السباحة بلا منازع...
وبعد صلاة العصر ألقى أحد الأطفال موعظة قصيرة بليغة، ثم قاموا إلى كرة القدم...
وقبل الغروب بنصف ساعة سمعوا الصفارة من جديد؛ فهرولوا إلى الوادي للوضوء، ثم قعد كل واحد منهم بركن مستقبلا ا لقبلة يذكر الله مع الذاكرين إلى أن غربت الشمس. ثم بعد ذلك أذن المؤذن لصلاة المغرب فقاموا صفا واحدا خاشعين.ولما قضيت تحلقوا حول نار أوقدوها لقضاء الليل..أكلوا السمك المشوي؛ وخاضوا في حديث متشعب...ولما مضى ثلثا الليل أيقظهم أميرهم الذي كلف بالتنظيم؛ وأعطى كل واحد ماء ساخنا.. ثم سرعان ما ارتدوا قمصانهم البيض وقاموا لله قانتين.
أمهم فتى في السابعة عشر من عمره يحفظ البقرة وآل عمران، وبالأسحار قعدوا للإستغفارحتى آذان الفجر..
وبعد صلاة الصبح تحلقوا وقصوا الرؤى يستأنسون بها، ثم قعدوا للذكر حتى طلعت الشمس.ثم قاموا فصلوا فرادى؛ ركعتين تعدلان حجة وعمرة، ثم جيء بالفطور واختتم المخيم... يتبع.
...نأمل أن يتم تصوير هذه المشاهد عما قريب.
ذ-حسن زوركـــــــــــــي
قالت؛ والمعلمات يستمعن؛ ((هل تستطيعان إعادة الجمل التي ركبتما في القسم؟))
قالا:(( نعـــــــــــــــــــم.)) فلما سمعن ما عبرا عنه أكبرنهما وقلن عجبا..فأشارت معلمتهما؛ أن انصرفا..
وقالت إحداهن:(( إني أراني أتنبأ لهذين الصغيرين بمستقبل فريد زاهر، وإنهما سيبدعان في مجالات عدة.))
وقالت الأخرى:(( لو كان لهذين من العناية والاهتمام ما لا يتوفر في مدرستنا هذه؛ لنبغا نبوغا لاحصر له..
لكن؛ وللأسف الشديد، تضيع مثل هذه الثروة، ولا يلتفت لإنقاذها أحد.))
ولما رجع سي محمد إلى البيت نزل إلى الحديقة وأخذ ينظف التربة من حول شجيرات النخيل المغروسة وسط الدار، بينما أخذ إليــــاس- الأخ الأوسط- الفأس وشرع يحفر من حول شجيرات الزيتون. ثم دار بينهما هذا الحوار
قال سي محمد:(( لم أحرق الاحتلال الأمريكي ملايين أشجار النخيل في العراق؟))
قال إليـــاس:((ألم تر كيف فعلت إسرائيل بزيتون فلسطيـــــن المحتلة ؟ ألم تأت بالجارفات واقتلعت أشجارالزيتون
من جذورها.. ))
قال سي محمد:(( بــــلى ولكن ما ذنب النبات؟ أنا لا أفهم كيف يفكر كل هؤلاء.))
قال إلياس:(( ربما لأنها ذكرت في القرآن الكريم.. إقرأ قول الله عز وجل" وهزي إليك بجذع النخلة تساقط علي
رطبا جنيا.." هكذا خاطب الله مريم أم عيسى عليهما السلام.
وأما شجرة الزيتون فقد قال الله عنها " شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية.."
.. ثم جاء أيمن؛ أخوهما الأصغر؛ فأعطياه أنبوب الماء وساعداه على السقي. ثم أذن المؤذن لصلاة المغرب فانطلقوا إلى المسجد، ولما رجعوا تحلقوا للذكر كعادتهم، وافتتح المجلس بتلاوة القرآن..ثم أخذ الوالد الكلمة وحدثهم عن تنظيم مخيم...
قال:(( الجيل الذي قبلكم يتذكر مخيم مــــــــــــــــرج الزهــــــــــور بفلسطين؛ يوم أخرج شيب وشباب من ديارهم؛أبعدهم العدو الصهيوني، لأنهم أعلنوا الجهاد على كل دخيل يمكر بالمسلمين.. لأنهم كرهوا أن يدنس المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله؛ لأنهم من حمـــــــــــــــــــا س..
وآخرون من أبناء الوطـــــــــــــــن عانوا ولا يزالون في مخيمات العداء والشقاق وسوء الجوار
ينتظرون الخلاص والعودة إلى الديار.
ولتعلموا أنهم بمعزل عن العناية الطبية والنفسية والاجتماعية، وأنهم يصنعون خبزهم بأيديهم ؛
وأن الصغار كبار قبل الأوان..))
وقال أيضا:(( سنحتاج إلى خيام وأغطية ومؤن..)) واستمر يحصي كل المتطلبات وأبناؤه ينظرون إليه وكلهم شوق لمعرفة ما يخبئه الغد، وماذا ستكون مواد البرنامج...
.. وجاءوا " بين الويدان"بكرة على مثن سيارة أجرة ،ثم نزلوا جنب البحيرة الزرقاء وأقاموا الخيام. وقبل أن تشرق الشمس بسطوا حصيرا وتحلقوا لتوزيع المهام.
قال إسلام : (( أنا سأجمع الحطب .))
وقال إليــاس: ((وأنا سآتيكم بالماء من الوادي .))
قال الوالد: (( أنا وسي محمد سنبني الفرن بالطين والحجارة..))
وقالت الأم: (( وأنا وأيمــــــــــن سنعد الطعام..))
هرع كل واحد إلى أداء مهمته بنشاط، ولم تمض إلا دقائق معدودة حتى جهز كل شيء بدقة ونظام رفيعين..
أعدت الأم عجينة الخبز، وأوقد الوالد النار للحصول على الجمر، بينما ذهب الأولاد لاستكشاف المكان..
قال الوالد: ((لا تبتعدوا كثيرا عن الموقع..)) ثم جلس يعد برنامج المخيم وأخذت الأم تهيئ الطعام . بعدها سمع صوت الصفارة فاجتمعوا من حوله وقرأ عليهم البرنامج.
قال: (( سيحفظ كل واحد منا سورة من السور القصار من الحزبين؛58و59 من المصحف الكريم؛ ابتداء من
الساعة العاشرة، ثم الدرس الأول من الحادية عشرة إلى الساعة الحادية عشرة والنصف.. ثم
استراحة لصيد السمك حتى آذان الظهر.
سيتكلف سي محمد بالأذان وإلياس بالإقامة وسيصلي بنا إسلام. وبعد الصلاة مباشرة ستلقي أمكم
موعظة، ثم نتناول طعام الغذاء، وبعدها نشترك جميعا في النظافة.
وبعد الزوال نكمل الحفظ و نستظهر..
الثانية بعد الزوال وقت حر حتى آذان العصر، وبعد الصلاة مباراة في كرة القدم المصغرة..
ثم نجدد الوضوء ونستقل القبلة للذكر إلى غروب الشمس..
وبعد صلاة المغرب؛ نستمع للدرس الثاني حول نار موقدة.. ثم نقرأ الحزب،ونتناول طعام العشاء،
ونؤخر صلاة العشاء قليلا...))
.. وبالليل زاد الوالد الحطب على النار ومكث في الحراسة إلى بزوغ الفجر. توضأ وقام الليل، ثم أيقظ أهله؛ وأذن سي محمد: الصلاة خير من النوم؛ الصلاة خير من النوم..بعدها تحلقوا للذكر وقصوا الرؤى التي رأوها تلك الليلة واستأنسوا بها. ثم قرأ سي محمد موعظته التي كلف بها من كتاب الإحياء للإمام الغزالي رحمة الله عليه..
ثم استقبلوا القبلة يسبحون الله حتى طلعت الشمس من مشرقها ، فقاموا وصلوا ركعتين...
وفي تمام السابعة انطلقوا للرياضة وسط أشجار البلوط والعرعار، ثم لعبوا مباراة في كرة القدم ، ثم نزلوا إلى الوادي فشربوا منه وتطهروا، ثم اجتمعوا لتناول الفطور.
بعد ذلك انتشروا بين أشجار الغابة يتلون كتاب الله ؛ كل من زاويته يرتله ترتيلا؛ حتى إذا بلغت الشمس مبلغ الضحى رأيتهم في ظلال ممدودة بين الجرف العالي والوادي يركعون ويسجدون ابتغاء رضوان الله..
ثم جاءوا أباهم واستمعوا للدرس الثالث وناقشوه نقاشا جادا ..ثم أذن لهم فانطلقوا للصيد.
.. وجاءت سيارة فحملتهم إلى الديار.وفي صباح اليوم التالي تحدث سي محمد إلى بعض أصدقائه ودعاهم لحضور مجلس في بيته؛ بعد إذن أبيه وأمه.. وكذلك فعل إسلام وإليـــــــاس.
وحضر الأصدقاء وأخبروا بفكرة تنظيم مخيم لمدة يومين في مطلع العطلة القادمة.
ناقشوا أهداف المخيم واختاروا الموقع ووضعوا برنامجا ووزعوا المهام.. تراجع البعض ؛ واعتذر من اعتذر ، وقبل آخرون تحمسوا للخروج وتعهدوا أن يعدوا له عدة.
قال سي محمد : (( أريد أن ألفت انتباه أصدقائنا الأطفال بأن يكتموا هذا الأمر إلا على الوالدين؛ وأخذ الإذن منهما للمشاركة بحرية.))
وقال إسلام: (( موعدنا بعد ثلاثة أيام عند رأس الجبل بعد صلاة العصر لننظر من سيشارك ومن سيتخلف..))
وفي اليوم المعلوم تجمع اثنا عشر فتى ؛ بينهم ثلاثة أطفال، فتباحثوا تنظيم الخرجة ولوازمها، وقرروا أن ينطلقوا بعد صلاة الفجر بساعة على مثن سيارتي أجرة.
.. نزلوا عند الطريق المؤدية إلى الوادي؛ بمكان يسمونه" تلوازين" أي شجيرات اللوز، وحملوا أمتعتهم على ظهورهم فرحين بما يرون من مناظر طبيعية تعشقها العيون وتسعد بها الأنفس .. فلما بلغوا الوادي نصبوا الخيام ووزعوا المهام وأعدوا الطعام، ثم جلسوا يستمتعون به على نغمات خرير المياه العذبة المتدفقة ولحن طيور الغابة المحيطة...
وفجأة سمع صفير صفارة المخيم فانتبه الجميع وتفرقوا. منهم من أسرع إلى الوادي واشتغل بالوضوء،ومنهم من أخذ يجمع الأواني ويغسلها، وآخرون أزالوا الحجارة ونكسوا الأرض ونظفوا موضع الصلاة..ثم جاء الأطفال الثلاثة يحملون الحصائر على أكتافهم،ونشروها قبل المشرق.
وفي لمح البصر لبس كل فتى قميصه الأبيض ووضع السجادة على كتفه وأخذ المصحف بيده واقترب من المجلس. فلما حضر الجميع قال قائل منهم:
((بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله؛ في الصحاح عن خولة بنت حكيم- رضي الله
عنها- قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من نزل منزلا ثم قال أعوذ
بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك"
فقولوا مثل ذلك ثم صلوا الضحى .. ))
وفي زاوية أخرى من المخيم كان فتيان في الخدمة، أحدهما يراقب الخبز في الفرن ؛ ويصنع الثاني طعام الغذاء.
ولما قضيت الصلاة انتشروا بين الأشجار ؛ واختار كل واحد منهم موضعا للحفظ؛ مستقبلا القبلة لا يلهيه شيء..
وسمع لهم دوي كأزيز النحل تعالى وسط أحضان الطبيعة بواديها؛ والصدى يردده الجرف الشامخ من فوق الغابة
لم تعيه تعرية السنين..
وبعد مضي أزيد من ساعة سمع صفير الصفارة من جديد ، فاجتمع الفتية يقدمهم الأطفال ، وجلسوا على الحصير الممدود مثنى يستظهرون الربع الأول من الحزب الثامن والخمسين من المصحف الكريم. فلما قضي
تربعوا في حلقة علم وحلم ينتظرون انطلاقة الدرس الأول من برنامج المخيم. وجاء الفتى الذي كلف بالعرض الأول؛وألقى كلمته..كان الموضوع كبيرا لاستنهاض الهمم وتحريض عقول الشباب على حسن السلوك والعمل.
كان حديثا عن حقيقة الانتماء لدين الله عز وجل.. عن أهمية الفعل قبل القول؛ وبناء مشروع التعاون على البر والتقوى...
قال أحد الصغار في السن يومها: (( ألم تروا كيف فعل الناس بجنب الطرقات ووسط الأزقة وعلى طول الطريق المحاذية للساقية..؟ رموا أزبالهم التي تعفنت بعيدا عن مساكنهم ، وسط المحيط وكـأنه ليس محيطهم ، وكأن القرية التي يعيشون فيها ؛ أرض خلاء لا تهمهم.. أنا أتساءل؛ ماذا ينتظر الناس؟؟ ))
رفع أحد الفتية يده؛ وقال: (( اقرأ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم" الناس كإبل مائة لا تكاد تجد راحلة.. ))
وقال الآخر: (( لقد التقطت العديد من الصور لكل البقع السوداء المنتشرة داخل القرية، وأدخلتها إلى الحاسوب
لنشرها عبر الانترنيت في مواقع الجهات المعنية . ))
وقال فتى آخر: (( أنا أفكر في الوسائل الفعالة لتصحيح العديد من السلوكيات المنحرفة وتصحيح الاعوجاج..
هل تفيد الكتابة المسرحية؟هل تكفي الندوات والمحاضرات؟أم أنه لابد من تطوير وسائل الاتصال مع الناس بأدوات العصر؛ وبناء الثقة..؟))
سكت الشباب ونطق سي محمد؛ (( كثير من الأطفال في قريتنا لا يقدرون الشجرة؛ وكثيرا ما رأيناهم يعتدون على الثمار قبل نضجها، يتسلقون الأغصان كالماعز؛ ويقطعون بلا تردد و لا حياء..
يكررون هذه الأفعال وأقبح منها في كل موسم...))
رد عليه أحد الفتية؛ (( لقد كنا قبل أيام نناقش مع والدك الأستاذ حسن؛ بدار الشباب ؛ إمكانية بدأ التداريب المسرحية حول " أصدقاء الشجرة".. فلم لا نتدرب على هذا النص ،ثم نعرضه
عما قريب بمقر الجمعية أو بدار الشباب..؟ ))
...سجل المقرر كل المقترحات وعزم الفتية على تنفيذ برنامج تحسيسي تربوي يستهدف تلاميذ التعليم الأساسي،
يشتمل على المسرح والتشكيل والمناظرة والرياضة..،ويمتد على مدار السنة...
ثم أذن المؤذن لصلاة الظهر فسكت الجميع، فلما قضي ختموا المجلس وقام من قام ليتوضأ بالوادي وقعـد البعض
لإعداد المصلى، وابتعد آخرون بضعة أمتار يناقشون بقية مراحل هذا المخيم.
سلم الإمام فقام الذين هم في الخدمة فجاءوا بالطعام وذكروا بآداب الأكل؛ ثم قطع الخبز؛ وجيء بماء النبع ..
وبضفاف الوادي ؛ بين أشجار الصفصاف والزيتون والرمان المنتشرة على امتداد السفح استلقى بعض الفتية للاستراحة؛ بينما أخذ عمر ألوانه وفرشاته وشرع يزخرف أولى لوحاته في المخيم. . وأما الأطفال فقد اختاروا صيد السمك، وفضل إسلام وإلياس وزكرياء وخالد السباحة بلا منازع...
وبعد صلاة العصر ألقى أحد الأطفال موعظة قصيرة بليغة، ثم قاموا إلى كرة القدم...
وقبل الغروب بنصف ساعة سمعوا الصفارة من جديد؛ فهرولوا إلى الوادي للوضوء، ثم قعد كل واحد منهم بركن مستقبلا ا لقبلة يذكر الله مع الذاكرين إلى أن غربت الشمس. ثم بعد ذلك أذن المؤذن لصلاة المغرب فقاموا صفا واحدا خاشعين.ولما قضيت تحلقوا حول نار أوقدوها لقضاء الليل..أكلوا السمك المشوي؛ وخاضوا في حديث متشعب...ولما مضى ثلثا الليل أيقظهم أميرهم الذي كلف بالتنظيم؛ وأعطى كل واحد ماء ساخنا.. ثم سرعان ما ارتدوا قمصانهم البيض وقاموا لله قانتين.
أمهم فتى في السابعة عشر من عمره يحفظ البقرة وآل عمران، وبالأسحار قعدوا للإستغفارحتى آذان الفجر..
وبعد صلاة الصبح تحلقوا وقصوا الرؤى يستأنسون بها، ثم قعدوا للذكر حتى طلعت الشمس.ثم قاموا فصلوا فرادى؛ ركعتين تعدلان حجة وعمرة، ثم جيء بالفطور واختتم المخيم... يتبع.
...نأمل أن يتم تصوير هذه المشاهد عما قريب.
ذ-حسن زوركـــــــــــــي